موقف من زواج الفتاة الصغيرة
بقلم الدكتور: مصطفى بن حمزة
لقد فوجئت بما أقدم عليه أحد المواقع الإلكترونية من عملية تركيبية لتلفيق موقف فقهي أوهم به أني أؤيد ما ذهب إليه محمد المغراوي من صحة التزوج بالفتاة بنت التسع سنوات. وقد عمد صاحب الموقع إلى استقطاع جزء من نقاش قديم كان يتناول موضوع رفع سن الزواج من الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة قبل أن تتشكل لجنة مراجعة مدونة الأحوال الشخصية السابقة، ولم يكن الحديث يومها عن تزويج الفتاة في سن التاسعة، كما استحضر الموقع مقتطفات من درس في تفسير سورة الطلاق ألقيته في بداية التسعينات من القرن الماضي، وكان يتناول موضوع عدة المرأة غير الحائض. وقد عجبت كيف يكون كلام ألقي في التسعينات تأييدا ومناصرة لموقف أبداه صاحبه بعد ذلك بأكثر من خمس عشرة سنة.
إن هذا العمل يندرج في مفهوم التدليس الذي انتقده المحدثون، ولكنه في هذه المرة ليس تدليس تسوية أو إسقاط، وإنما هو تدليس من نوع جديد توظف فيه الإمكانات الإلكترونية من أجل جر شخص إلى موقف لم يقل به، وهو سلوك يدل على مقدار كبير من التدني الخلقي ومن انعدام الأمانة العلمية لدى صاحبه.
منذ أن أثيرت القضية كنت أرجو أن لا تمطط وأن يكون جواب المجلس العلمي الأعلى إشارة كافية للتوقف عنها ومنع الانزلاق بها إلى مستويات أخرى، لأن قضية زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحجمها الكبير لا يمكن أن توظف لمجرد تأييد استنتاج فقهي غير سليم، لأنها قضية تتصل بمكانة بيت النبوة الذي يعني كل مسلم أمر الدفاع عنه أكثر مما يعنيه الانتصار لأي حكم فقهي يظل ظنيا مهما يكن نوعه.
وأنا أعلم أن دور نشر أمريكية قد امتنعت أخيرا عن نشر رواية ألفتها الكاتبة الأمريكية شيري جونز بعنوان جوهرة المدينة وقد تراجعت عن نشرها دار النشر البريطانية راندم هاوس بعدما نصحها المؤرخ الأمريكي دينيز سبيلورغ بعدم نشر الرواية، وقال لها: لا يمكنك اللعب بالتاريخ المقدس. وهذا الموقف الذي أجنح إليه لا يعني أن في تاريخ بيت النبوة عورة يجب سترها وإخفاؤها، وإنما أرى أن الموضوع يستدعي أن يدرس دراسة علمية جادة على مستويات البحث العلمي النزيه. وقد أصبحت بعض الدراسات تتجه هذا الاتجاه.وتنتهي إلى خلاصات جديدة في مجال تحديد سن زواج عائشة.
وعندي أن القضية برمتها هي مؤسسة على إفادة ظنية تتعلق بتاريخ ميلاد عائشة رضي الله عنها، والمعهود في المجتمعات التي تسود فيها الرواية الشفوية أن تواريخ الميلاد لا تضبط كل الضبط، ولذلك تختلف كتب التراجم في تاريخ مواليد أكثر الشخصيات على أقوال عديدة، وإذا كانت بعض المصادر تذكر عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بها وهي بنت تسع سنين، فإن ذلك مما تكون عائشة قد تلقته مما كان شائعا عن ميلادها في بيئتها الشفوية. والعهد بعائشة أنها تحضر الجلسة التي يزمع فيها أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة وأنها تستوعب الحدث وأنها تؤتمن على كتمان السر وأنها تساعد على تجهيزهما، وهو أمر لا يؤتمن عليه الأطفال في سن السابعة لخطورته ومصيريته.
وحيث إن الأمر أصبح يقتضي تفصيل القول في قضية زواج الفتاة في سن التاسعة فإني أرى أن ما انتهى إليه المغراوي هو النتيجة الطبيعية لمنهجه في التعامل مع النصوص والوقائع، وهو منهج لا يهتدي إلى مقابلة النصوص بعضها ببعض، وإلى معرفة أن بعض الوقائع يمكن أن تكون من قضايا الأعيان، وهي القضايا التي لا ينسحب حكمها على غير أصحابها، وعلى حالات معينة وردت بخصوصها، ومن ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وهو أمر لا يجوز أن يعمم على غيره، كما أنه عليه السلام تصرف تصرفات لا تصح إلا منه. وقد اعتبر الزركشي بعض أوضاع عائشة رضي الله عنها من قضايا الأعيان ومنقبة من مناقبها
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |